الداخل المحتل: الأزمة والآفاق

تاريخياً، اعتُبر الداخل ذا خصوصية أعقد من باقي التجمعات الفلسطينية وذلك لأسباب واضحة، وهي المواطنة والوطنية، ويمكن إضافة الأيدولوجية عموماً واختلاطها مع هذين المفهومين.
فالأيديولوجيا في الداخل، كما هي في كل مكان، عليها أن تفكك الواقع الذي يحيطها وتتفاعل عبره. فكما نجد الماركسيين مثلاً في بلدان العالم المختلفة فككوا واقعهم بالأدوات التحليلية الماركسية، فقد وجد الماركسيون في الداخل أنفسهم أمام هذا التحدي. والمنظّر الأول للماركسيين الفلسطينيين في الداخل كان إميل توما، وكذلك الصحوة منذ عبد الله نمر درويش كان عليها أن تجد تصوراً صحوياً في سياق المواطنة الإسرائيلية والقضية الفلسطينية.
المسألة الفلسطينية في الداخل يمكن تقسيمها إلى هذه العناوين: المواطنة وبما يترتب عليها من أزمات يومية، وكذلك الوطنية وما يترتب عليها من قضية كبرى؛ ولكن المعضلة في ما يخص التصورات حول الاثنين تكمن في كون الوطنية الفلسطينية هي النقيض المباشر للإسرائيلية بكل مستوياتها، لذلك نشهد في هذا المضمار تبايناً بين الطروحات المختلفة للتيارات السياسية.
هنا سأضع مقترحات لمحددات صعود وهبوط الحركية والحزبية في الداخل الفلسطيني:
١- الامتداد الأممي/الإمبراطوري: في قراءتنا لتاريخ العمل الحركي والحزبي في الداخل، نستخلص أن تغليب الوطنية (أو حتى الأممية) وإبقاء المواطنية في أضيق حدود ممكنة احتاجا إلى بعد عالمي وإقليمي، مثل الحزب الشيوعي والاتحاد السوفياتي، الحركة الإسلامية والصحوة، الأحزاب القومية والحركة العروبية وهكذا دواليك. ونلاحظ أنه كلما غاب البعد «الإمبراطوري/الأممي» لمشروع من المشاريع، كلما زاد الميل إلى «النضال» المواطني. فنلاحظ أيضاً أن الحالات التي بقيت المواطنة فيها مجرد وثيقة مرغمين عليها وليست ذات بعد نضالي (إلا في هوامش معينة) كان التيار غارقاً في البعد الفلسطيني العام والبعد الفوق فلسطيني، كحالة الحركة الإسلامية الشمالية وحركة أبناء البلد.
فمثلاً، الحركة الجنوبية المنجرفة نحو الإسرائيلية منذ البداية، كانت الشق الذي لم يكسب مكانه كالامتداد المحلي للصحوة إقليمياً، وفي حالة الشمالية نجد أن بقاياها بعد الحظر مالت نحو «النضال» المواطني بعد الحظر، كحالة البيت الفحماوي الذي يعبر عن إسلامية المهزومين. إلا أن الموضوع ليسَ ميكانيكياً بل هناك علاقة تبادلية كحالة الحركة القومية في الداخل («الأرض» و«أبناء البلد») حيث ذبلت هاتان الحركتان بعد غياب الوجهة الإقليمية لمشروعهما.
٢-الحركة الوطنية الفلسطينية وليسَ المواطنة هي ما يقرر: في جانب الحقيقة التاريخية، يمكن القول إن واقع حياة المواطنة يؤثر على حياة الفلسطينيين من حيث دمجهم على هامش السوق الرأسمالي الإسرائيلي وسريان القانون الإسرائيلي - رغم التمييز العنصري عليهم - ولكن هذا ليس كافياً لتفسير الموضوع، فسكان الضفة الغربية أيضاً يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي وكذلك سكان غزة، أي إن الحركة الصهيونية تطبق قبضتها على كل فلسطين التاريخية رغم تعدد أساليبها في التعامل مع كل تجمع فلسطيني ما يزال قائماً في فلسطين التاريخية، وأساس هذا التعامل هو تحويل التجمعات الثلاثة إلى كتل لا ترتبط مع بعضها كشعب رغم وجودهم على رقعة جغرافية واحدة.
ودلالة إضافية على ما نقوله هي وجود الحالة الفلسطينية تاريخياً رغم تأثرها بالواقع الإسرائيلي، إلا أنها كانت امتداداً لحال الحركة الوطنية الفلسطينية (وربما العربية). فبعد انحلال آخر مؤسسة عربية فلسطينية بعد النكبة - وهي المؤتمر العربي - كان الحراك السياسي ميّالاً للقومية، وعند التراجع إلى الوطنية المحلية انعكس هذا في الداخل أيضاً، وعندما دخلت المنظمة في مرحلة المأسسة راح الداخل يبني مؤسساته الجامعة، وفشل أوسلو والتشرذم وحلول اليأس ونضالاته انعكست كذلك على الداخل، وعندما صعدت الصحوة إقليمياً صعدت كذلك فلسطينياً.
٣-حدود تأثير المواطنة: إذا ما اتفق معي القارئ أن المواطنة هي نقيض الوطنية الفلسطينية (وبالطبع القومية والأممية)، فإننا نستطيع أن نتفق على تسمية دوائر «النضال» المواطني (سواء أكان هامشياً أم مركزياً) بصفتها «نضال المرغمين». ونجد أن ذوبان الوطنية في لحظات تاريخية ما يكون عاملاً دافعاً نحو «نضال» مواطني تام ويمكن أن نقول «أسرلة» تامة؛ والسبب كما أسلفنا هو غياب البعد الما فوق فلسطيني، حيث نجد حركات وأحزاباً تبقي «نضالاتها» فقط في الشؤون المواطنية اليومية، ومنهم من يجنّد للتعبئة لمثل هذه «النضالات» كـ«طبقة المتعاونين» إبّان الحكم العسكري كما يسميهم هلل كوهين.
يمكن القول إن «النضال» المواطني يعد بأمور على المستوى العيني لذلك فإنه جذاب في هذه المرحلة التي يعتبر فيها أغلى حق للفلسطيني في الداخل هو الحق في الحياة والأمن، ولكن «النضال» المواطني لا يعد بشيء على المستوى البعيد، وعلى النقيض فإن النضال الوطني الحقيقي يعد بنتائج كبرى ولا يعد بشيء تقريباً على المدى المنظور والقريب.
وبالطبع إنّ منبع كل المآسي اليومية في التحليل الأخير هو القضية الوطنية.
ولكي نتمم الصورة، فقد عرضنا في مقالات سابقة التقسيمة الطبقية في الداخل (ولست بوارد العودة إليها) ودورها، ولكنني أريد أن أضيف شيئاً جديداً آخذاً في التشكّل وهو موضوع هجرات العمل.
ظهر عند العرب في الداخل فئة (طبقة؟) نائية بنفسها عن المجتمع وصراعاته منذ فتح أبواب الهجرة، الهجرة بشكل عام لعبت هذا الدور تاريخياً، الهجرة بوجه عام (وليس فلسطينياً فقط) تأتي في سياق الخروج من الوطن الأم لظروف تتعلق بفرص العمل والوضع المعيشي والأمن الشخصي والرفاهية الشخصية، وفي الداخل فإنها تلعب دوراً في التشكيلة الطبقية للمجتمع وبنيته، ويمكن التأريخ لأول هجرة ملموسة خلال وبعد أوسلو إذ تسبّبت في هجرة الحرفيين وصعود بيروقراطية البلديات مكانهم.
هنا لا نتحدّث عن الهجرات الفردية المتنوعة بل الهجرات ذات الطابع الجماعي والمسيس إلى حد ما، ونعني بشكل خاص الهجرة إلى إسطنبول وتركيا بداية ولاحقاً الإمارات في السنوات الأخيرة. هذه ظاهرة تشبه إلى حد كبير ما حدث للريفيين المصريين عند دخول المال الخليجي وهجرة العمل في الخليج.
إسطنبول، ولاحقاً دبي، أصبحتا النموذج، نظراً إلى الفرص الاستثمارية والأمن الغائب في الداخل، والحياة المرفهة هناك أفضل من هنا بكثير، وبالنسبة إليّ، إن لقمة الإنسان وأمنه يحركانه قبل أفكاره، بل هما ما يخلق أفكاره، وهذا ليس اعتراضي، إنما أبحث في ما تنتجه هذه اللقمة من أفكار وسلوكيات.
يمكن تلخيص وعي الطبقة الجديدة - المرتبطة بدبي تحديداً - وصعود «الطبقة الإماراتية» وما جلبه معه من تأثير على الهوية الوطنية، فنقول هذا النوع من الهجرات يشجع الانعزالية وأنانية الفرد وتنصله من مسؤوليته الجمعية، ويستورد «فنّاً» هابطاً سيئاً لمجمل الثقافة الوطنية، وفي الوقت نفسه تساعد هذه الهجرات في التحرر المادي وعيش حياة آمنة أكثر آدمية من الحياة الحالية.
فوطنياً يتلخّص صعود هذه الشريحة في أن جمال عبد الناصر حاول أن يجتذب الناس بصوته الجهوري ونضاله الفولاذي ولكن محمد رمضان تفوق عليه، وعند التنزه في أقدم مدن التاريخ فإنهم يفضلون التنزه في الحضارة المستوردة، وفي إمكانهم كحد أقصى أن يناضلوا من أجل «إصلاح إسرائيل» لتكون مثل دبي.
ولكي لا نترك المقال غير مرتبط بلحظتنا الراهنة، فإننا بداية ندعي أن الداخل يعيش حالة شلل سياسي وتوازنَ ضعفٍ حركياً وحزبياً.
السبب الأول هو غياب البعد الفوق فلسطيني: نشير إلى أن المشروع الكبير اليوم في المنطقة الذي يتشابك مع فلسطين، هو إيران، وفي الداخل لا نجد بعداً إيرانياً لهذا المشروع، هذا العامل الأول في سبب ترهل الداخل.
وطبعاً عدم وجود امتداد محلي لهذا المشروع له جانبان، التحريض الطائفي منذ الـ2011 الذي عمل على إسقاط إيران من ضمائر «السنة»، وثانياً كون المشروع الإيراني يحتاج في كل مكان إلى بعد عسكري بالدرجة الأولى وهذا غير متاح في الداخل.
هكذا وجدت الحركات السياسية في الداخل نفسها من دون مشروع «فوق فلسطيني».
ثانياً، عودة «الحكم العسكري» مع واقع الشلل الحزبي: إن واقع الشلل الحزبي تزامن مع عودة «الحكم العسكري»، ونعني هنا أن كل معالم الحكم العسكري من رقابة ومنع النشاط السياسي قد عادت بشكل قوي ولكن من دون إعلان عودة الحكم العسكري بشكل رسمي. ففي «الحكم العسكري الأول»، ظهرت أحزاب وطنية، الحزب الشيوعي وحركة الأرض، اللذان ناضلا ببسالة ضد هذا الحكم، بعكس اليوم.
هذا الواقع أدى مجدداً إلى صعود «النضال» المواطني بقوة وبعدّة تجليات، مثل شراكات عربية-صهيونية، النهج الجديد، حراك «نقف معاً»... إلخ.
وهنا يجب أن نفرّق بين أمرين، أن المجتمع السياسي والمجتمع ككل في الداخل مشلول وفاقد للأفق والتصور السياسي الكبير (بالمعنى الذي ذكرناه)، ولكن حرب فلسطين (2023-) أحيت عنده آمالاً كبيرة وقديمة، وإن لم يتمخض عن هذا الأمل شيء مادي ملموس، لكون حرب فلسطين - في بدايتها - حققت المستحيل.
وعموماً فإن هذا الواقع أيضاً يحوي في طياته تناقضاً ومفارقة سيحلها الواقع فقط. بداية حرب فلسطين أحيت الأمل بالمستحيل وهذا الأمل (نظراً إلى عدم مشروعية إسرائيل عند أحد تقريباً وقبولها على أساس المصلحة فقط) ما يزال عالقاً منذ تلك اللحظة غير متزحزح في وعي قطاعات معتبرة في الداخل، يرافقه أيضاً، من جهة مقابلة، نهاية مرحلة صانعي هذا الأمل كتنظيم وليس كرموز، في مشهد يشبه سقوط الناصرية في عام 1967 واقعياً وصعود شعبية عبد الناصر الشخص.
غالباً إن الداخل عندما تعاد فيه صياغة الحركة الوطنية والمشروع الأممي/الإمبراطوري بعد هذه المرحلة من التاريخ ستعاد صياغة العمل الوطني وفقاً لهذا الأساس. ولمن هو متفائل مثلي أن أميركا وملحقاتها يعيشون ربعهم الأخير، فإنه لا ييأس ولو وعى أننا قد نعيش آلام مخاض هذه الصياغة الجديدة بأبشع الطرق وأحطها وأسفلها، ولكن يثق أنه سيولد ما يعيد النضال إلى المربع الأول.
«باسم شعبٍ يرفع الشمس تَحيّة
سمِّني قنبلةً أو بندقيّة…
هذا أنا: لا، لستُ من عصر الأفول
أنا ساعةُ الهتْك العظيم أتت وخلخلةُ العقول»
أدونيس
* كاتب فلسطيني
